محمد سعيد رمضان البوطي
86
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الحصار الاقتصادي ورد بأسانيد مختلفة عن موسى بن عقبة ، عن ابن إسحاق ، وعن غيرهما ، أن كفار قريش أجمعوا أمرهم على قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكلموا في ذلك بني هاشم وبني المطلب ، ولكنهم أبوا تسليمه صلّى اللّه عليه وسلم إليهم . فلما عجزت قريش عن قتله صلّى اللّه عليه وسلم أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب ، فكتبوا بذلك كتابا تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يدعوا سببا من أسباب الرزق يصل إليهم ، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة ، حتى يسلم بنو المطلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليهم للقتل ، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة . والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات ، بدءا من المحرم سنة سبع من البعثة إلى السنة العاشرة منها ، وقيل بل استمر ذلك سنتين فقط . ورواية موسى بن عقبة تدل على أن ذلك كان قبل أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، وإنما أمرهم بها أثناء هذا الحصار . أما رواية ابن إسحاق فتدل على أن كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الحبشة وبعد إسلام عمر . وحوصر بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين ، ومعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، في شعب بني المطلب ، وإنما مكة شعاب متفرقة ، واجتمع فيه من بني هاشم وبني المطلب المسلمون والكافرون ، أما المسلمون فتدينا وأما الكافرون فحمية ، إلا ما كان من أبي لهب ، عبد العزى بن عبد المطلب ، فإنه خرج إلى قريش ، فظاهر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . فجهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمون جهدا شديدا في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء ، وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر . وذكر السهيلي أنهم كانوا إذا قدمت العير مكة ، يأتي أحد أصحاب رسول اللّه إلى السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته لأهله ، فيقوم أبو لهب فيقول : « يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم » ، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا ، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به . فلما كان على رأس ثلاث سنين من بدء هذا الحصار ، تلاوم قوم من بني قصي ، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه ، وأرسل اللّه على صحيفتهم التي كتب فيها نص المعاهدة الأرضة ، فأتت على معظم ما فيها من ميثاق وعهد ، ولم يسلم من ذلك إلا الكلمات التي فيها ذكر اللّه عز وجل . وقد أخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عمه أبا طالب ، فقال له أبو طالب : « أربك أخبرك بذلك ؟ قال : نعم ، فمضى في عصابة من قومه إلى قريش ، فطلب منهم أن يأتوه بالصحيفة موهما